الشيخ عبد الغني النابلسي
84
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
مع بقية الإخوان والقوم ، فاجتمعنا عنده في مجلس / عظيم ومقام كريم ، نتجاذب أذيال الأبحاث العلميّة ونتناشد ظرائف الأشعار الأدبيّة ، حتّى انفصم نظام ذلك المجلس ، وانطوى بساط ذلك الجمع المتقدّس ، فعدنا إلى مكاننا المعهود ، ودخلنا في رواق صاحب تلك المكارم والجود ، وكان في المجلس الذي نحن نازلون فيه شباك كبير ، يطل على جنينة ذات أشجار نضرة وماء ما لها من نظير ، وكانت الزّاغ من الطّيور تأتي إليها في كلّ ليلة بعد غروب الشمس ، وهي من غصن إلى غصن تدور ، ولها ضجّة عظيمة وجلبة ، وغوغاء في هاتيك الحلبة ، إلى أن يسحب عليها اللّيل ذيله فتلزم السّكون وتترك الحركة ، وقد أركض النّسيم عليها خيله ، حتّى إذا شقّ الصّباح غلالة الظّلماء ، وانحلّت عقود كوكب الجوزاء ، دبّ بأعطافها شراب الصّباح فعربدت على هاتيك الأغصان وأظهرت الصّياح ، وكانت توقظ الجماعة لصلاة الصّبح إذا قال المؤذن حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح ، وأخبرنا صاحب ذلك المنزل المعمور ، أنّه عجز عن دفع ذلك الزّاغ من المبيت على أغصان ذلك الروض المذكور ، ولم يخل الأمر من حكمة إلهيّة ونكتة علميّة أدبيّة .